سيدي القاضي، حضرات المستشارين، أيها الحضور الكرام،
نحن نجتمع اليوم في هذه المحكمة لنحكم بشريعة العدل على هذا المجرم الخطير القابع خلف القضبان. لا تغرّكم وداعة وجهه، ولا ابتسامة الثقة التي تعلو ثغره. لا تخدعكم المظاهر، ولا تكونوا كمن تأسرهم نعومة الأفاعي وملمسها، ففي أنيابها السمّ الزؤام. خلف هذا القناع الجميل يختبئ مجرم خطير يهدد حياتي وحياتكم وحياة كل الموجودين هنا في هذه القاعة، بل وحياة من هم خارجها.
سيدي القاضي، لن أطيل في مرافعتي، لكنني أريد أن أضع بين أيديكم الدلائل والحقائق التي تدين هذا الوحش الكاسر، وتلفّ حبل المشنقة، إن شاء الله، حول عنقه. لقد وجدنا، يا سيدي القاضي، هذا الدفتر تحت الوسادة التي يضع المتهم رأسها عليها . يبدو أنه، وإن كتب على غلافه أنه دفتر مذكرات، إلا أن ما في داخله ليس سوى مخططات هذا السفّاح الإجرامية بحق البشرية.
سأقرأ ما كتبه في هذه الصفحة، ولتحكموا بأنفسكم. يقول المتهم إنه راوده حلم جميل، وهو بذلك يثبت، وبخط يده، أنه يحلم. تخيّلوا، يا سيدي القاضي، كتب الكلمة بكل وقاحة: حلم! نعم، حلم! انظروا، يا سادة، قرّبوا الكاميرا ليرى العالم أنه كتب ذلك بخط يده.
نعم، سيدي القاضي، سأتابع، لكنني أطالب بتثبيت أن المتهم يحلم. يقول المتهم: “لا حول ولا قوة…”، ثم يواصل، وسأقرأ ما كتب:
“راودني بالأمس حلم جميل. رأيتني أقف على شرفة منزلنا، مع أنني أسكن في قبو، لكن في الحلم يختلف كل شيء. كانت الشرفة تطلّ على فناء جميل، مع أننا نعيش في أرض جدباء لا خضار فيها، والماء يمرّ من تحتنا. كانت الحديقة جميلة جدًا، وكان هناك شجرة عالية رُبط في غصنها أرجوحة صغيرة، تتمرجح عليها فتاة صغيرة بشعر أصفر. عرفت أنها ابنتي، مع أنني ليس لي أطفال. استغربت أنها لا تشبهني، بل تشبه أمها، مع أنني لم أتزوج أصلًا. كيف أتزوج وأنا ما زلت صغيرًا في العقد الرابع من عمري؟ لكنها الأحلام، ترسم ما تريد.
تأملت السيارة التي كانت تصطفّ عند بركة السباحة، وكانت رائعة، رائعة جدًا. استغربت أن تكون لي سيارة بهذا الجمال، حتى في الأحلام. كيف لراتبي أن يشتريها؟ ثم تذكرت أنني بلا راتب، فأنا عاطل عن العمل. لكنني كنت سعيدًا، سعيدًا جدًا، لدرجة أنني وقفت على أفريز الشرفة ورحت أتمشى. لا أعرف لماذا فعلت ذلك، ولماذا أظلّ أحمق حتى في الحلم. الخلاصة أن قدمي انزلقت، وهويت من الأعلى. وقبل أن أصطدم بالأرض، نبت لي جناحان من شمع، حرّكتهما فحلّقت عاليًا، فوق السحاب.
رأيت أجمل ما رأيت في حياتي: الناس سعداء، يتبادلون تحية الصباح بسلام، يمضي كل إلى عمله. رأيت العصافير تحلّق وهي تلقي على الصياد التحية، وهو بدوره يمازحها ويوهمها أنه يريد أن اصطيادها، ثم يضحك ويبتسم وهو يغمزها ويصفر لها. العالم من الأعلى جميل، والحلم كان جميلًا. استيقظت من الحلم وأنا مفعم بالسعادة والسرور. غدًا سأنام مبكرًا لأكمل الحلم.”
هنا ينهي المتهم ما كتبه، ويعترف أنه سيواصل هذا الجرم، وسيغافلنا لينام ويحلم.
سيدي القاضي، إنني ألتمس من عدالتكم ألا تأخذكم شفقة به، وأن تحكموا عليه بما يمليه ضميركم، وما عُرف عنكم من جدية وأمانة وحكمة. أطالب بإيقاع أقصى العقوبات على هذا المجرم الخطير: أن تصادروا كل أحلامه، وأن تقصّوا جناحيه، وتمنعوه من الطيران.
انظروا، يا سيدي القاضي، إلى تلك الابتسامة! انظروا كيف يغمض عينيه بكل وقاحة ويحلم بأنه يطير! أتريدون إثباتًا أكثر من ذلك؟
لقد أنهيت مرافعتي، والحكم لكم، أيها القاضي.









