كلُّ إنسانٍ يحمل مدينةً في داخله، مدينةً لا يراها أحد، ولا يطؤها أحد، ولا يستطيع أن يسكنها سواه.
مدينة تُبنى من ملامح الذاكرة، من ممرات لا تصل إلى نهاياتها، ومن غرفٍ ضيّقة امتلأت بأحاديث لم تُقَل.
هناك، في تلك المساحة الصامتة، تختبئ النسخة الحقيقية منّا… النسخة التي لا نُظهرها، ولا نُسلّم مفاتيحها لأحد.
في هذه المدينة تبدأ رحلتي. لم تكن رحلتي بحثًا عن العالم، ولا عن مكانٍ أُثبّت فيه وجودي، بل كانت رحلةً نحو الداخل، نحو تلك الطبقات التي تتراكم فوق القلب عامًا بعد عام، حتى لا نعود نعرف أين يبدأ شعورنا وأين ينتهي.
كنا نظن أن الحياة تحدث خارجنا، في الأماكن التي نزورها، في الأشخاص الذين نحبّهم، في اللحظات التي نعيشها.
لكن الحقيقة أن الحياة الحقيقية تحدث في الداخل أولًا، لذلك تأمّل معي هذا…
هناك مدن تُشيَّد بالحجارة،
وهناك مدن تُشيَّد بالذكرى،
وأنا كنت من أهل المدينة الثانية.
الصمت فيها ليس هروبًا… بل لغة،
والشرود ليس ضياعًا… بل طريق،
والأسئلة التي تلد الأسئلة ليست تشتّتًا… بل بداية وعي.
أنا هنا لأكتب من هذه المدينة،
لا لأصف العالم كما يبدو،
بل كما نشعر به، كما نخافه، كما نتمنّى لو نفهمه.
هذه ليست قصة بطل، وليست رواية من الماضي،
هذه رحلة وعي…
قد يجد كلّ واحدٍ منّا فيها شارعًا يشبهه، غرفةً عاش فيها، أو نافذةً تطلّ على ما لم يستطع قوله.
كنت أظن أن الضجيج هو الحياة،
وأن كثرة الناس حولي تعني أنني لست وحيدًا،
وأن الامتلاء الخارجي قادر على إسكات الفراغ الذي في الداخل.
لكنني كنت مخطئًا.
في لحظةٍ ما… توقّفت.
لا أعلم إن كان ذلك اختيارًا مني،
أم أن الصمت هو الذي اختارني.
توقّفت عن ملاحقة العالم،
عن محاولة إثبات شيءٍ لا أعرفه،
عن الركض خلف أصوات لا تخصّني.
وعندما هدأ كلّ شيءٍ حولي…
بدأت أسمع شيئًا آخر،
صوتًا لم أسمعه من قبل،
الصوت الذي ظلّ يهمس داخلي لسنوات
بين نبضةٍ ونبضة…
بين تنهيدةٍ وأخرى…
الصمت كان يتكلّم.
وكأنه يقول لي:
إن كل ما تهرب منه… يسكنك،
وإن المدينة التي تخشاها… هي أنت.
عندما أغلقت الباب على العالم،
لم أكن أريد الوحدة،
لكنني وجدت نفسي فيها.
وكانت تلك البداية الأولى لاكتشاف المدينة التي ظلّت صامتة كل هذا الوقت: المدينة الداخلية.
ومن هنا…
بدأت أسمع نفسي بوضوحٍ لم أعرفه من قبل، واليوم
أعرف أن المدينة التي في داخلي ليست عبئًا كما ظننت، وليست سجنًا كما كتبت وظننت، بل موطني الأول.
هناك تعلّمت أن الصمت ليس انطفاءً،
بل مساحة ينضج فيها الضوء،
وأن الوحدة ليست فراغًا… بل لقاءٌ مع ما ظلّ ينتظرني طويلًا.
أدركت أن الطريق الحقيقي لا يمتدّ أمامي، بل يمتدّ نحوي،
وأن الرحلة العميقة ليست تلك التي تقطع فيها مسافات، بل تلك التي تعود فيها إلى نفسك.
ومن هنا…
سأكتب…
سأكتب لأنني أخيرًا أسمع،
سأكتب لا لأصف المدينة،
بل لأفتح أبوابها لكل من يحمل مدينةً صامتة تشبه مدينتي.
لعلّنا نلتقي في الطريق إلى الداخل،
حيث لا ضجيج،
ولا ركض،
ولا خوف،
فقط إنسان،
يعود إلى نفسه ويبدأ من هناك.









