تتفحّص عيناها بغضبٍ تنظر إلى ما يجول وراءهما في ذاك التجويف تحديدًا تحاول أن تُخمِد صراعًا نشب منذ وقتٍ هو عمرها، وتزداد مساحة الحريق لآنٍ هو الآن، تتساءل: كيف يمكنها أن تقتلع رأسها، كيف لها أن تمنع تلك الأفكار من العبث معها حتى في توافهِ الأمور؟
إنها واقعةٌ بالإدمان منذ ذلك اليوم بنهم الكتب، اعتقدت آنذاك أن المثقّف هو من يجلس برفقة كتابٍ وهو يحتسي قهوته، كان مجرد كتابٍ عابرٍ دون قيمةٍ تُذكر وهنا أدركت أن ليس كل كتابٍ هو كتاب ولا كل حياةٍ هي حياة.
فأصبحت تفرُّ من دنياها لقبوٍ صنعته بيديها الصغيرتين، تلك طفلة الحادي عشر تقرأ برهةً وتتأمّل برهةً وعندما تصعد إلى دنياها تنظر إلى يديها عُنوةً، فبأي ذنبٍ قُتلت؟ فهل يقتل الإنسان نفسه؟
إنها صديقتها ليلى، تلك التي تشعرها دائمًا بعادية الأشياء إنها المغاير لسلمى تنعم بمنظوراتها الضيّقة، فعندما كبرن وأصبحت كل واحدةٍ منهنّ لديها أفكارٌ تتشبّث بها وكأنهنّ حبل النجاة، حصل آنذاك أن ليلى بدأت مراهقتها للتو ففعلت ما يفعل الكثير: علاقاتٍ محرّمة وهفواتٍ كثيرة وعندما كانت سلمى تمسك هاتف ليلى لتنظر لصورها في سفرتها الأخيرة وجدت رسالةً تنمُّ عن الحب من ذكرٍ غريب، فسألت سلمى صديقتها عن هذا فأجابتها بأنه الحبيب يا من لا تعرفين مذاق الحب وهنا اصطدمت الأفكار واحتدّ النقاش وناشدت سلمى صديقتها بصوتٍ يكتنزه الغضب: أنت النادمة وإن كانت تجارب الغير فاسدة فلعلّ تجربتي تكون هي مهربًا من هذا المستنقع فمن لم يجرّب لن يتعلم.
فتردُّ سلمى نافرةً : عن أي مستنقعٍ تقولين، هل الذي صنعتِهِ بنفسك، فأنتِ، أيتها الفذّة من ترتكبين الأخطاء واحدًا تلو الآخر، فبالطبع ستنالين النتيجة فابقي جرّبي تجارب مُجرّبة ثبت فشلها.
فتمطّي سلمى نعليها وتذهب، ويبدأ صراعها مع الوهم والحقيقة آنذاك فإن كنا نعلم الحقيقة فهل الضدُّ هو الخطأ، أتساءل كثيرًا لكنني اخترتُ دومًا أن لا أكون كالغير ليس تكبرًا إنما اصطفيتُ كالفخّارة أنا كل فكرةٍ رقتني للوعي هي نقشة من فخارة كل نقشٍ فيها يُؤلم ويبقى أثره فيَّ إلى الأبد كل فخارةٍ كثرَت تفاصيلها زاد ثمنها، فهل أزداد قيمةً؟
أتت سلمى إليّ تحمل هذا السؤال، طفلتي الجميلة التي شهدتُ على نعومة أظافرها حتى أصبحت صبيّةً في أوائل العشرين لكنها مختلفةٌ كل الاختلاف فلا تشبه إخوتها قط كانت معلمتي حتى أنها طفلتي التي أستشيرها كم هو غريبٌ بالفعل فإني أشهد على كل فكرةٍ تكتسبها وكل حربٍ تخوضها بين وعيها وإدراكها كانت دومًا تعرف الحقيقة وتحارب لكي تغيّر واقعها كانت دومًا ما ترى الأمور بواقعيّتها لا بعاطفتها.
أخاف عليها جدًا ليس من العالم بل أخاف عليها منها.
أخاف أن تشيخ مبكرًا إلا أنني فخورةٌ بها لحدّ الاعتزاز فذلك اليوم عندما كنت أناقشها بأن كفى عيشي عمركِ لكي تُسعِدي وقلت لها ما قاله المتنبي:
“ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلِه
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعَمُ”
فأجابتني بأسلوبها الناضج: من قال لكِ يا أمي إن الشقاء يُتعبني، بل نحن خُلقنا لنشقى فأنا لا أراه مصدر التعاسة إطلاقًا بل أراه ملجأ لأن الجهل يُرعبني فما العبرة من أن أعيش بعقلٍ فارغ، وما المغزى من أن تجرني الحياة إلى ما تريده هي، بل أنا التي يتوجب عليّ أن أجعلها كما أريد فلا بأس بالقليل من المعاناة فالإبداع والقوة يولدان من رحم المعاناة و أشارت بيديها إلى عقلها الذي يأسرني دومًا.
أيمكن للإنسان أن لا يثق بها، تجمع بين الطفولة والشيخوخة وتجمع بين الهداوة والجنون كي لا تجنّ على الأغلب.
فإليكِ يا ملهمتي الصغيرة ابقِ كما أنتِ واعية وأعلم أنكِ لا تحبين أن أنعتكِ بالواعية، لأنك
دومًا تقولين أنك لا تعلمين إلا القليل، لكن اعلمي أنك فخارتي التي لا تقدر بثمن.









