مخطوط روح ضائعة
نذير باكير
17 سنة
مارس 5, 2025
0
(0)
مخطوط روح ضائعة

لم أكن يومًا طفلا مشاغبا، لم أكسر نافذة الجيران، لم أركض في الشوارع بصحبة الأصدقاء، لم أتسلق الأشجار ولم أقع عنها لأعود إلى أمي باكيا، كنت الهادئ، الصامت، الغريب حتى في صغري، كنت أرى الأطفال يتشاجرون على الكرة، يمرحون، يغرقون في الضحك، بينما كنت أراقبهم من بعيد، كمن يشاهد الحياة من خلف زجاج، لم يكن الأمر أنهم لم يقبلوني، بل أنا من لم أمد يدي يوما، أنا من اخترت أن أبقى على الحافة، حتى حين كان بوسعي أن أقفز.

“وحيد العائلة”، كان هذا لقبي منذ وعيت على هذه الحياة، لم يكن لي شقيق يقتحم وحدتي، ولم يكن لي قريب يجرني نحو مغامرات الطفولة، لكنني رغم ذلك، لم أكن منبوذا على العكس، كنت محبوبًا لكن عن بعد، كأنني لوحة جميلة في معرض لا يسمح بلمسها، لم يكن ينقصني من يدعوني للعب، لكنني كنت أرفض، لم يكن ينقصني الرفاق، لكنني كنت أهرب، كنت أعيش داخل رأسي، داخل عالمي الخاص، حيث لا حاجة للاندماج، ولا حاجة للتبرير.

كبرت وأنا أرى الناس تقترب مني بحسن نية، لكنني كنت دائما أضع بينهم وبيني حاجزا غير مرئي، لم أكن أعزل نفسي تماما، لكنني لم أسمح لأحد بالعبور أكثر من اللازم، كنت معهم، لكنني لم أكن معهم حقًا، كنت أراقبهم يبوحون بأسرارهم لبعضهم، يغمسون أصابعهم في تراب الحياة، بينما كنت أنا غارقا في رأسي، أحلل، أفكر، وأبتعد أكثر، ليس لأنني لم أكن مرغوبا، بل لأنني لم أكن أعرف كيف أكون مثلهم، أو ربما لأنني لم أرد أن أكون مثلهم.

ومع مرور الوقت، لم أعد أبحث عن أحد، لم أعد أطرق الأبواب، بل أغلقتها بإحكام، وأقنعت نفسي بأنني لست بحاجة لأي شخص، بأنني أسمى من أن أكون جزءا من هذه الجوقة الصاخبة، لم يكن الغرور بقدر ما كان دفاعا، لم يكن النفور بقدر ما كان خوفا، وعندما تفشل في أن تجد مكانك، تبدأ بإقناع نفسك بأنك لم تكن ترغب بذلك من الأساس.

لكن الزمن لا يرحم، ومع مرور السنوات، وجدت نفسي أدفع ثمن ما زرعته، وجدت نفسي غريبا حتى عن ذاتي، أنظر في المرآة ولا أعرف من هذا الذي أمامي، كنت أسير في الشوارع كغريب في وطن لم يعد يحتويه، ولأول مرة، لم أعد متأكدا مما أريده، هل أريد أن أكسر هذا الجدار؟ هل أريد أن أعود للخلف وأحاول مجددا؟ أم أن الأوان قد فات، وأنني قد خلقت لهذا الدور، لأكون شاهداً على الحياة لا جزءا منها؟

ما مدى فائدة هذا المقال؟

اضغط على النجمة للتقييم!

معدل التقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا يوجد تقييم حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المقال.

أحدث المقالات