خبرٌ عاجل
تارة زياد هاشم
ديسمبر 30, 2021
5
(1)
خبرٌ عاجل

دجلة يشعر بالجوع والغضب ويقرّر أخذ مئة وخمسين روحٍ لأجل سدِّ جوعهِ وغضبه. 

المذيعة: في صباح هذا اليوم الرّبيعيّ الفرِح تهبطُ غيمةٍ محمّلة بالأحزان والآلام، ففي صباح هذا اليوم قُتِلَ مئة وخمسون شخصاً غرقاً في دجلة. إلى هذه السّاعة لم يُعرف المسؤول عن ذلك، ولكنّ تمّ العثور والتّعرف على ثلاثة ممّن يشتبه بهم، والآن دعونا نشاهد هذه الجلسة القضائيّة لمعرفة المسؤول عن هذه الحادثة المروّعة. 

تعجّ قاعة المحكمة بالقلوب الغاضبة، والّتي تريد الكشف عن الشّخص المسبّب لهذه الحادثة في أوّل أيّام الرّبيع، فهذه القلوب الغاضبة تجتمع جميعها على حبّ العدالة؛ فالجميع يريد للجاني أنّ يواجه العدالة وينال العقاب الّذي يستحقهُ. 

يعلن القاضي عن بدء جلسة المحاكمة للمشتبهِ بهم: جابر بن حيّان، ابن سينا وإسحاق نيوتن. إلّا أنّ السّكوت يملأ قاعة المحكمة، فالمشتبه بهم لم يتفوّهوا بحرفٍ واحدٍ واكتفوا بالسّكوت والصّمت؛ حيث إنّهم يعلمون جيّداً أنّهم مذنبون. 

 بعد فترة من الصّمت التّامّ وقف ابن سينا وقال: يا سيّدي القاضي، جميعنا هنا الآن كوننا نريد أن نجعل المذنب يدفع الثّمن كونه ليس ‏بكفء لتحمّل المسؤوليّة. وأنا أعرف الشّخص الّذي لم يتحمّل المسؤوليّة وكان سبباً لغضب دجلة، إنّه نيوتن يا سيّدي القاضي. 

القاضي: وما هو دليلك؟

ابن سينا: نيوتن لم يجرِ الحسابات الكافية، فهو لم يحسب جاذبيّة الماء مع مساحة القارب وعدد الرّكاب. وهذا أدّى إلى غرق القارب آخذاً معه أرواحٍ عديدة. 

تعمّ الدّهشةُ على الحاضرين ثمّ تتحوّل إلى موجاتٍ من غضب تأمر بمقاضاة إسحاق نيوتن. 

إلاّ أنّ نيوتن ينهض بعضب ويقول: أعترض!، ثمّ يتابع: أنا قد قمت بعمل الحسابات الكافية، فواجبي هنا يكون قد انتهى وهذا تماماً ما قمتُ به إلى أن تأتي مسؤوليّة جابر بن حيّان. يتابع بهدوء ويقول: فمنسوب الماء يتغيّر ويرتفع إذا تفاعلت ذرّات الأوكسجين في الهواء مع ذرّات الأوكسجين في الماء، وما أدراني بهذه الكيمياء. أليس كذلك يا جابر؟ أما كان يجب عليك أن تقوم بحسب هذه المعادلة؟

القاضي: ما هو ردّك على هذا الإدعّاء يا جابر؟

جابر بن حيّان: معك حقٌّ يا نيوتن كلّ ما قلتَهُ كان صحيحاً، ولكنّك مخطئٌ في شيءٍ واحد؛ فأنا قد قمت بإجراء الحسابات الكافية. وبلهجةٍ ساخرة قال: ولكن للأسف فأنا لست المذنب، بل إنّه ابن سينا. 

يقف ابن سينا بعضب ويجهر: وكيف ذلك؟ فجميع الأدلّة تدل على نيوتن. 

يصرخ إسحاق نيوتن: بل على جابر. 

جابر بن حيّان: كلاّ إنّه أنت يا سينا!

وتتعالى الأصوات في قاعة المحكمة وتشتدّ المناوشات بين المشتبه بهم؛ فيحاول القاضي إسكاتهم لكنّ لا جدوى! فلو كان هنالك أطفالٌ محلّهم لما تصارعوا كما هم يتصارعون الآن. 

فجأة نهض أحد الحاضرين للجلسة القضائيّة كونه كان قد سئمَ هذا الضّجيج، فقال محاولاً تهدئة الأوضاع: تعال يا جابر وأُجْبُر الخاطر، قمّ بإصلاح الحاضر، دعْ الماضي وكلّم القاضي.  

فسكِتَ جابر بن حيّان وجلسَ في مكانه، وكأنّه صاعقة من المشاعر والأحاسيس كانت قدّ سيطرت عليه. 

وتابع الشّخص الواقف وقال: وأنت يا ابن سينا، انظر ما حلّ بِناْ، هيّا نصلح ماضينا، ونُرجِعَ المجدُ كما كان فينا. 

وأيضاً هذه المرّة سَكَتَ ابن سينا كما سكَتَ جابر بن حيّان، غارقاً في تفكيره وبمعانِ هذه الكلمات. وبِسُكوتِ ابن سينا وجابر بن حيّان سكَتَ أيضاَ إسحاق نيوتن، وكان الهدوء قد عمّ على قاعة المحكمة. 

بعد مدّةٍ من الزّمن قال ابن سينا: ها هو ذا المذنبُ أمامكَ يا سيّدي القاضي. 

القاضي بتعجّب: من هو المذنب من بينكم؟ 

إسحاق نيوتن ببهرجة: إنّه ليس أحداً منّا نحن الثّلاثة. 

فأكمل جابر بن حيّان بثقة: إنّ الجاني هو ذاك الشّاعر السّاحر يا سيّدي القاضي. 

إسحاق نيوتن وابن سينا يؤيدون جابر بن حيّان في رأيه، ويتابع جابر قائلاً: يا سيّدي القاضي…. هذا الشّخص يسحر الأشياء بشعرهِ وطلاسمهِ؛ فهو الشّخص الّذي سحرَ دجلة وجعلَهُ يغضب.

إسحاق نيوتن: نعم، إنّه هو؛ فقد سمعتُه يقول: “اغضب وانهض يادجلة، كُل واشبع وتهنّى، ثمّ تحنّى بفرحك؛ ففرح يا سعادَتَكْ”.

المذيعة: وبذلك تكون هذه الجلسة القضائيّة قدّ انتهت، وأخيراً تمّ إلقاء القبض على المذنب الّذي أغضب دجلة وكان السّبب بأخذ أرواح العديد من النّاس ونشر الأحزان على أهالي الضّحايا، ألقاكم على خيرٍ جميعاً. 

 

ما مدى فائدة هذا المقال؟

اضغط على النجمة للتقييم!

معدل التقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 1

لا يوجد تقييم حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المقال.

أحدث المقالات