في نهاية كل يوم، حين يهدأ كل شيء من حولنا، نسائل أنفسنا سؤالًا واحدًا: ماذا أنجزت اليوم
قلّما نسأل: هل كنت مرتاحًا أثناء سير يومي ؟ هل كان عقلي هادئًا؟ هل قدمت رعاية لنفسي؟
هذا الاختلال في ترتيب الأسئلة يعكس خللًا أعمق في نظرتنا للحياة، حيث قد تحوّل الإنجاز إلى صنم، والراحة النفسية إلى ترف، كأن الإنسان لم يُخلق إلا ليُنتج !
نحن اليوم لا نُقدّر الراحة، بل نخجل ونهرب منها في الوقت ذاته، حيث أصبح من لا يعمل يشعر بالذنب، ومن لا ينجز يشعر بالنقص. أما من يقرر التمهّل والتباطؤ، فيُتَّهَم بالكسل أو التراخي وانعدام المسؤولية! أصبحنا نعيش في زمن يُمَجِّد السرعة والعمل المتواصل، حيث يُقاس النجاح بعدد المهام المنجزة، وليس بمدى هدوء الحياة التي نحياها.
كل ذلك ليس خيارًا فرديًا نابعًا من الطموح، بل هو ضغط مجتمعي صامت لكنه ثقيل جدًا
لقد أصبحنا أسرى لفكرة أن قيمتنا تُحدَّد بمدى إنجازاتنا. نُقارن أنفسنا بلا وعي بمن يعمل أكثر، يحقق أكثر، يسابق الوقت أكثر، حتى مواقع التواصل الاجتماعي، التي نلجأ إليها “للترفيه”، أصبحت ساحات عرض لإنجازات الآخرين فقط، وإن كانت وهمية !، مما يزرع في داخلنا شعورًا دائمًا بأننا متأخرون عن الركب.
الكاتب البريطاني (آلان واتس) وصف هذه الحالة بدقة حين قال:
“التواجد الدائم في حالة من الانشغال، هو شكل حديث من أشكال العبودية الطوعية”، نلهث خلف الإنجاز، نكدّس المهام، ونُخفي شعور التعب كي لا نظهر بمظهر “الضعف”.
يسألك صديقك: “كيف حالك؟” فترد: “مشغول جدًا، عندي مليون شيء”، وكأن الإنهاك هو وسام شرف نعلقه على صدورنا، وكأن الإنسان لا يُحترم إلا إذا كان مرهقًا، مشغولًا وتتكدس على رأسه المشاغل!
المصيبة الكبرى في هذا الضغط أنه يجعلنا نربط هويتنا الشخصية بما ننجزه فقط، ننسى أن لنا قيمة بمجرد وجودنا مثلًا، لا فقط بما نُنجز، فننسى أن التّعب طبيعي، والبطء ليس فشلًا، والتوقّف أحيانًا لا يعني أننا تخلّينا عن ما نطمح إليه، ولكن يحتاج المرء منّا للراحة، حتمًا يحتاج. فمثلًا هناك منّا من يستيقظ كل يوم ليقاتل في معركة داخلية ضد القلق أو الاكتئاب، يقاتل في معارك نفسية كثيرة يطول الحديث عنها، ومع ذلك يشعر أنه لم يفعل شيئًا يذكراليوم وكأن محاولات التشافي، المحاولات بحد ذاتها، أو مجرد الاستمرار في الوقوف لسبب أو بدون، لا يُعتبر إنجازًا!
أين اختفت تلك الأصوات التي تقول: “خذ وقتك، لا بأس أن تتعب، لا بأس أن ترتاح، لا بأس أن تقول لا هذه المرة.”
هذه الأصوات خفتت، وحلّ محلّها ضجيج لا ينتهي يقول: “لا تدع أحد يسبقك، لا تتوقف، استغل كل دقيقة، يجب أن تكون الأفضل”، لكننا لسنا آلات متنقلة، نحن بشر، ونحتاج أحيانًا إلى الصمت، إلى التوقّف، إلى أن نحتضن أنفسنا دون شعور بالذنب بأننا قد تأخرنا وقد يفوتنا شيء.
ولربما أستحضر هنا اقتباسًا قد قرأته ذات مرة للكاتبة والمناضلة (أودري لورد) تقول فيه:
“الاهتمام بالنفس ليس دلالًا، بل فعل من أفعال البقاء.”
أنا لا أكتب هذا المقال لأدعو إلى التراخي أو الانسحاب من الحياة، بل لأذكّر نفسي أولًا – ولكل من يقرأ – أن الراحة النفسية ليست ترفًا، بل ضرورة، وأن الإنجاز الحقيقي لا يكون دائمًا في الشهادات أو الألقاب، بل أحيانًا يكون في لحظة صفاء، في جلسة هادئة مع النّفس تعيد شحن طاقتك فيها، في نوم عميق بدون قلق وأرق، وفي محاولاتك الدائمة لإسترجاع نفسك بعد الضياع.
نحن حتمًا بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح، فالنجاح لا يعني أن نكون دائمًا مشغولين دومًا فقط، بل أن نكون في سلام على الأقل، ولا يعني أن نحقق كل شيء في وقت قصير، بل أن نصل ونحن لا نكسر أنفسنا في الطريق.
الراحة ليست مضيعة للوقت، بل هي استثمار في النفس، فمن يرتاح يعود أقوى، ومن يصمت لربما يسمع نفسه بوضوح، ومن يعتني بنفسه يستطيع أن يعتني بالعالم لاحقًا.
في النهاية، لنسأل أنفسنا سؤالًا جديدًا:
هل نعيش لنُنجز فقط؟ أم نُنجز لنعيش براحة، هدوء ووعي؟ ربما يكون أكبر إنجاز في هذا العالم السريع… أن نتوقف قليلًا، وننقذ أنفسنا من الضغط المجتمعي الذي لا يعترف بأننا بشر، لا آلات.









