منى
يارا جابر
ديسمبر 30, 2021
5
(1)
منى

في يوم تسمع به زقزقة العصافير وترى السّماء زرقاء وصافية تتذكّر منى السّنين الّتي قضتها وهي تعمل كادحة لإرضاء والدها، لسان منى ما زال يردّد سؤالا يجول في خاطرها، ولم يترك عقلها وهو “لماذا ذهبت يا أمّي؟” ففي سن الثّانية عشر كان صباح جميل على العائلة فكانت منى تستنشق رائحة الزّهور العطرة. خرجت أمّ منى لكي تحلب البقرات وتجلب بعض البيض الطّازج وتبيعه لجاراتها. كانت والدة منى امراة طيّبة تعمل في النّهار كي يذهب أطفالها إلى المدرسة، وثمّ تقضي ما تبقّى من اليوم مع أبنائها وزوجها. لكن حظّها في ذاك اليوم كان حظًّا أسودًا لم يتوافق مع الطّبيعة والجوّ الخلّاب؛ فقد قامت بالخروج مع ابتسامتها الواسعة كالمعتاد. أصبحت السّاعة الرّابعة، لكن أمّ منى لم تأتِ “أين هي يا ترى؟” تتساءل منى. طوال اليوم لم ترى منى أمّها. استيقظت منى من نومها نشيطة ويملؤها الحماس لتطمئنّ على أمّها. نظرت منى إلى الخارج رأت الرّياح تهبّ بقوّة، ثمّ يظهر البرق والرّعد لكن كلّ ما حصل لم يمنع فرحة منى. لكنّها في الّلحظة الّتي خرجت فيها منى راودها شعور بالإحباط والتّعاسة قبل خروجها. ففي الّلحظة الّتي خرجت منى من باب غرفتها انهارت بكاءً على الأرض من صدمتها المفاجئة، فقد أبصرت أمّها مستلقية على الأرض ووالدها يذرف الدّموع بلا توقّف.

تتمنّى منى أن يرجع الزّمن بها إلى تلك الّلحظات أو الّلحظة الّتي سبقتها. لا. لا، تتمنّى ذلك من أجل والدتها، بل تتمنّى ذلك لكي تنقذ والدها من الوحش الّذي تحوّل إليه. فلو ترى  كيف غدا وجهها الآن! ستظنّها فتاة أخرى؛ شعرها الذّهبي الحرييّر الطّويل سُلب منها، وطفولتها المليئة بالنّجاح والتّفوّق توقّفت. فما أسوء حظّك يا منى!  فقد تزوّج والدكِ، وأنجب بعض الأطفال ثمّ توفّيت الأمّ. فبقيت أنت أمام والدك مع ثلاثة أطفال. رغم أنّك في السّادسة عشر لكنّه منعك من المدرسة، عندما بلغت الثّالثة عشر من عمرك؛ كي تعملي وتساعدي تلك المرأة الثّلاثينيّة الّتي تزوّجها، ووالدك الّذي تلاشت وانتزعت الشّفقة والرّحمة من قلبه. بعد أن بلغت الثّالثة عشر أصبحت فتاة تبيع البيض الطّازج وتستطيع حلب البقرة. أيّام عديدة تعودين بها إلى المنزل ثمّ تقفلين الباب ودموعك تملأ الغرفة لكن لا منجى لك. في بعض الأحيان تتساءلين هل هذا هو والدك الّذي تربيّت تحت سقفه؟ هل هو الأب الّذي بكى لحظة وفاة أمّك. 

خرجت في يوم صافي كقلبك وتذكّرت أنّ الأيّام الصّافية لم تجلب الخير غالبا. لقد أصبح ثمانية عشر القرار يعود لك هل ستنهين حياتك ويرجعوك بلا روح إلى المنزل أم تعودين بنفسك أم ستكون هذه المرّة الأخيرة الّتي يرون فيها وجهك الّذي تلاشى منه التّألّق وانقلب إلى لون شاحب ينتظر نقطة أمل، شعرك الّذي ما زالت الرّياح تداعبه أصبح طول ذقنك. فشعرك نادر، وقام والدك ببيعه ليحصل على المال. تندمين على اللّحظات الّتي لم تستطيعين مواجهته وإرجاعه لرشده فيدك تؤلمك.. تنظرين وتتأمّلين بيدك الّتي انقلبت إلى لون بنفسجي من شدّة الضّرب ما قرارك؟

يدخل زوجك من العمل يقبّلك على وجنتك فتستيقظين من حلم اليقظة. أصبحت امرأة في الثّلاثين من عمرك مع أطفال وشهادة جامعيّة. هل اتّخذت القرار الصّحيح؟ أم كان هذا زواجك هروبا من واقعك المرير.

ما مدى فائدة هذا المقال؟

اضغط على النجمة للتقييم!

معدل التقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 1

لا يوجد تقييم حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المقال.

أحدث المقالات