في كل صفحةٍ من صفحات الشريعة، تقف المرأة مكرّمةً كأنها آيةٌ من آيات العدل الإلهي؛ امرأةٌ جعلها الإسلام نور البيت، ودفء الروح، وسكينة القلب، وكرامةً لا تُهان. لم يضعها الدين فوق الرجل فتغدو معركة المقارنة، ولم ينزل بها تحته فتغدو ظلًّا باهتًا في هامش الحياة، بل وضعهما جنبًا إلى جنب، كتفًا إلى كتف، ليكتمل بهما معنى الإنسان، ويستقيم بهما ميزان الرحمة في الأرض. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، في إشارةٍ بليغةٍ إلى ذلك التوازن الدقيق الذي تقوم عليه العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة في الإسلام.
وحين يتأمل المرء هذا البناء العجيب الذي أقامه الإسلام للعلاقة بين الرجل والمرأة، يدرك أن القضية لم تكن يومًا صراعًا على المكانة، بل كانت بناءً متوازنًا للإنسان ذاته. فالمرأة في التصور الإسلامي ليست تابعًا يُذكر عند الحاجة، ولا زينةً اجتماعية تُستدعى عند المناسبات، بل روحٌ فاعلة في صناعة الحياة، وقلبٌ نابض في جسد المجتمع، ويدٌ خفية تصوغ الأجيال بصبرٍ لا يراه كثيرون.
وفي كل عام، يقف العالم عند يومٍ يسمّيه “اليوم العالمي للمرأة”، وكأن المرأة لا تستحق الاعتراف بفضلها إلا في لحظةٍ عابرة من تقويم طويل. غير أن هذا المعنى يبدو غريبًا على روح المرأة المسلمة التي تربّت في مدرسة الإسلام؛ لأن دينها لم ينتظر مناسبةً ليقول لها إنكِ عظيمة، ولم يحتج إلى شعارٍ عالمي ليذكّر الناس بمكانتكِ. لقد قال ذلك منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، يوم جعل برّ الأم بابًا من أبواب الجنة، ويوم جعل الزوجة سكنًا ورحمة، ويوم جعل البنت سببًا للرحمة والرفعة لمن أحسن تربيتها. وقد عبّر النبي ﷺ عن هذه المكانة حين قال: “الجنة تحت أقدام الأمهات”، في صورةٍ تختصر عمق التقدير الذي أولاه الإسلام للمرأة في دورها الإنساني العظيم.
فالمرأة في الإسلام ليست قضيةً موسمية تُثار كل عام، بل حقيقة إنسانية راسخة في صميم التشريع. كرامتها ليست شعارًا يُرفع في الميادين، بل قيمة تُصان في البيوت والقلوب والعلاقات. حقوقها ليست هديةً يمنحها المجتمع حين يشاء، بل حقٌّ إلهيّ ثابت، أقرّه الوحي قبل أن تعرف البشرية مواثيق الحقوق بقرون.
ومن هنا، لا تشعر المرأة المسلمة أنها بحاجة إلى أن تستعير معنى تكريمها من ثقافاتٍ أخرى، ولا أن تبحث عن قيمتها في تقويمٍ عالمي يخصص لها يومًا واحدًا. عزّتها ليست في الاحتفال، بل في الانتماء؛ في انتمائها لدينٍ جعلها نصف المجتمع، وجعلها أيضًا صانعة النصف الآخر؛ في رحمها يولد الإنسان، وفي حضنها تنمو روحه، ومن حكمتها تتشكل أخلاق الأجيال.
إن المرأة المسلمة حين تفهم هذا المعنى العميق، تدرك أن مسؤوليتها لا تقف عند حدود المطالبة بالمكانة، بل تمتد إلى تجسيدها في واقع الحياة؛ أن تكون مثالًا للوعي، وصورةً حيّةً للكرامة التي منحها الإسلام لها، وأن تعكس للعالم وجهًا مختلفًا للمرأة؛ وجهًا يجمع بين القوة والرحمة، وبين الحياء والثقة، وبين العلم والإنسانية.
وحينها فقط يتضح المعنى الحقيقي للتكريم: أن تعيش المرأة كل يومٍ وهي تشعر بقيمتها، لا لأنها رفعت شعارًا، بل لأنها تحمل رسالة. وأن يدرك المجتمع من حولها أن احترامها ليس مناسبةً عابرة، بل خُلُقٌ دائم، وأن تقديرها ليس خطابًا موسميًا، بل منهج حياة.
لذلك، حين يمرّ ما يسمّيه العالم “اليوم العالمي للمرأة”، تبتسم المرأة المسلمة بهدوء، لأنها تعرف سرًا أعمق: أن قيمتها لا تختصر في يوم، وأن كرامتها لا تحتاج إلى تاريخٍ في التقويم، فكل يومٍ تعيشه وهي ثابتة على مبادئها هو يومٌ من أيام تكريمها.
فلتفتخر المرأة المسلمة بدينها الذي صانها، وبقيمها التي رفعتها، ولتكن رسالتها واضحة للعالم كله: إن تكريم المرأة لا يكون بيومٍ واحد، بل بفهمٍ صادق لمكانتها في الحياة.
وما دمنا نعيش في ظل هذا الفهم، فإن الحقيقة البسيطة تبقى أجمل من كل الشعارات:
كل يومٍ… هو يوم المرأة المسلمة.









