لا يكونُ الحبُّ ابدا للأشخاصِ فحسب، فهذا الشعورُ يمتد ليصيبَ الجمادات ايضاً ولا يكتفي بذلك فيتوسعُ في الأمرِ حتى يحيطَ بكلِّ ما صادفَ في القلبِ فوجدَ هواً وعشق إلا شيئاً واحداً وهو
رمضان ، ذلك الشهر الذي يصوم به المرءُ عن كلِّ ما تميلُ لهُ الأنفس من طعامٍ وشراب إلى شهواتٍ اخرى كثيرةٌ لا حصر لها ، ورغم ذلك تَجِد أن الأنسان ينتظرهُ من عامٍ لعام ويحبهُ حباً جمَّ ويشتاقهُ كشوقِ الطفلِ عودةَ أبيهِ من العمل ، فيركض حاضناً أياهُ وكأن مغيبهُ امتد سنيناً طويلةً لا مجردَ ساعاتٍ قليلة ، فأما الشوقُ الاول فلا يبدو مبرراً ، أما الثاني فنعم ، وهنا قد يتبادر إلى الذهنِ سؤالٌ مهمٌ ، كيف للإنسانِ أن يُحِبَ ما يحرمه ولا يعطيه؟!
وللإجابةِ على هذا السؤال، لابد لنا أن نعلَّمَ حقَّ اليقين بأن شهرَ الصيامِ يعطينا اكثر مما يحرمنا وذلكَ أنه صحياً وبحسب د.اسامة ابو الرُّب يخلص الاجسامَ من سمومهَ المتراكمة على مدار الاشهرِ السابقة ويخلصهُ ايضاً من بعضِ الامراضِ المزمنة ، كما أن الدراسات اثبتت أن للصيام فوائد في تجديد الخلايا وتحسين المناعة، أما نفسياً فإن الصيام عن الشهواتِ يهذبُ النفسَ ويعيد عجنها إلى الفطرةِ السليمة التي شوهت كثيراً في هذه الايام
فتجدُ الصائمَ أقلُّ عرضةً للغضبِ من غيرهِ واكثر خشوعاً في اعمالهِ وحباً لها ، وعن فوائدهِ الاجتماعية فترى الناسَ يقدمون على فعل الخيرِ بشكلٍ اكبر من المعتاد ممَّا يعزز الحب بين اطياف المجتمع ويدعم ركائزهُ الاساسية بافعال قد تبدو بسيطة إلا أنها عظيمةٌ عند اللهِ ، كصلةِ الرحم التي تكثر والاواني المحملة بالطعام ذهاباً واياباً ، وللجانب الديني من هذا الشهر حصةُ الأسد، فيقبل المرء فيه إلى الطاعات كما لا يفعل في غيرهِ، فيقوم الليلَ ويصلِّي قيام الليلِ في جماعةً مع الناس بما يعرف بالتارويح ، ويسعى لختم القرآن، ويتسابق في ذلك المتسابقون.
وكتذكرةٍ من التاريخ فإن لهذا الشهر اسمٌ آخر يعرفُ به وهو شهر الانتصارات ،وذلك أن معظم الحروب التي خاضها المسلمون فيهِ باءت بالنصر والفلاح، ومنها غزوة بدر وفتح مكة ومعركة الفردوس ، وحطين.
وختاماً ، فالحمد لله الذي يبلغنا شهر الخير في كل عام فهو بمثابة الهدية من الله لعباده المؤمنين ففيه الاجر يضاعف وفيه يؤوب كثيرٌ من الناسِ إلى ربهم راجين رحمته التي وسعت كل شيء راغبين منقلبين إلى وجهه الكريم .









