أنا ياسر.. لستُ مجرد رقمٍ في سجلات اللجوء، ولا حكايةً عابرةً في نشرات الأخبار.
أنا السوري الذي حمل وطنه في قلبه حين ضاقت به الأرض، وخرج من أتون الحرب لا لينجو بجلده فحسب، بل لينتصر بروحه.
يقولون إن الحرب تكسر، وأنا أقول إنها تصهر؛ تماماً كما يُصهر الذهب ليشتد بريقه.
حين عبرتُ الحدود، لم تكن حقائبي مليئةً بالثياب، بل كانت مثقلةً بذكريات الياسمين وعزيمةٍ لا تلين.
وعلى كل أرضٍ وطئتها أقدامنا، لم نكن يوماً عالةً، بل كنا كالماء الذي يسكبه القدر في شقوق الأرض ليمنحها الحياة.
في الزراعة، امتزج عرقنا بالتراب ليحوّله ثماراً.
وفي المصانع، أثبتت اليد السورية أنها يدٌ لا تعرف الخنوع، بل تعشق الإتقان كأنه عبادة.
نحن الذين علّمنا الغربة أن “اللاجئ” يمكنه أن يكون “بنّاءً”، وأن الألم قد يتحول إلى طاقةٍ للحياة.
ولم تكن المعاناة يوماً عائقاً أمام شغفنا بالعلم.
فبينما كانت الظروف تحاول إطفاء شموعنا، كنّا نوقد من حطامنا مشاعل للمعرفة.
تعلّمنا، واشتغلنا، وكافحنا…
لا لنثبت للعالم أننا أحياء فقط، بل لنثبت لأنفسنا أن السوري نبتةٌ لا تموت؛
أينما سكنت، أنبتت أثراً، وأينما مرّت، تركت بصمةً من نورٍ وإخلاص.
أنا ياسر، وأنا الشاهد على أن الانكسار ليس قدراً، بل بدايةٌ جديدة.
نحن السوريون، قدرنا أن نكون كالماء…
لا شكل يحدّنا، ولا قيد يحبسنا.
ونُعلّم الدنيا كل يوم أن الإرادة هي الوطن الحقيقي الذي لا يُهزم.
من مخرجات تدريب : التدوين من أجل التغيير









