ليست كل أم قاسية لأن قلبها خالٍ من الرحمة، فبعض القسوة تُولد من الخوف، وبعضها من التعب، وبعضها من حياةٍ لم ترحمها يومًا. الأم القاسية قد لا تُكثر من العناق، ولا تُجيد قول الكلمات اللطيفة، لكنها تحمل في داخلها قلقًا لا يهدأ على أبنائها، وخوفًا عليهم من زمنٍ لا يشبه أحلامها لهم.
تبدو قاسية حين ترفع صوتها، وحين تضع الحدود الصارمة، وحين تمنع ما نراه نحن متعة، لكنها في الحقيقة تحاول أن تحمي، بطريقتها التي تعلّمتها من أيامٍ قاسية مرّت بها. لم تُعطَ فرصة لتكون حنونة كما في القصص، فكانت قوية، والفرق بين القوة والقسوة أحيانًا شعرة لا نراها.
الأم القاسية لا تنام مطمئنة، تفكّر كثيرًا، وتلوم نفسها سرًا، وتتمنى لو استطاعت أن تشرح كل ما في قلبها دون أن يُساء فهمها. هي لا تُحسن التعبير، لكنها تُحسن التضحية، وقد تخطئ الأسلوب، لكن نيتها غالبًا حبٌّ خالص مشوَّه بالتجارب.
ومع ذلك، تبقى القسوة جرحًا، خاصة في قلب الأبناء، لأن الكلمة القاسية تبقى، والصمت المؤلم يترك أثره. فالأم، مهما كانت نيتها، تبقى مسؤولة عن دفء أبنائها، كما هم مطالبون بمحاولة فهمها، فالفهم جسر بين قلبين تعبا من سوء الظن.
وفي النهاية، الأم القاسية ليست عدوة، بل إنسانة تحتاج من يفهمها، كما نحتاج نحن منها أن تُخفف حدّتها، ليبقى البيت ملاذًا لا ساحة صراع.









