حين يصبح البيت ذكرى
بدون اسم
24 سنة
فلسطين
مايو 19, 2026
0
(0)
حين يصبح البيت ذكرى

أنا لاجئة فلسطينية، لا أكتب هذه الكلمات لأطلب شفقة، بل لأحكي ما لا يُقال بسهولة. في مكانٍ ما بين الخرائط، هناك بيتٌ كنت أظنه سيبقى لي إلى الأبد، لكنه صار صورة في ذاكرة أمي، وحكاية تتكرر في ليالي الغربة.

كبرتُ وأنا أسمع كلمة “لاجئة” أكثر من اسمي. لم أفهمها في البداية، كنت أظنها تعني أننا سنعود قريبًا، أن الغياب مؤقت، وأن الطريق إلى البيت لم يُغلق بعد. لكنني تعلمت لاحقًا أن بعض الطرق لا تُغلق فقط، بل تُمحى من الوجود.

القهر لم يكن لحظة واحدة، بل أيامًا تتراكم بهدوء. في الطابور الطويل أمام الحواجز، في نظرة تفتيش لا ترى فينا بشرًا بل أرقامًا، في أسئلة لا جواب لها: “من أين أنتِ؟” وكأن الإجابة تحتاج إذنًا لتكون صحيحة. وفي كل مرة أقول فيها “فلسطين”، أشعر أنني أحمل مدينة كاملة على صدري، مدينة لا يرونها كما أراها أنا.

أصعب ما في الغربة ليس البعد فقط، بل أن تشرح وجودك كل مرة من البداية. أن تقنع العالم أن لك تاريخًا قبل اللجوء، وبيتًا قبل الخيمة، وحياة قبل كلمة “مخيم”.

لكن رغم ذلك، لم ينكسر كل شيء. تعلمت أن القهر لا يمحو الذاكرة، بل يجعلها أكثر وضوحًا. صرت أحتفظ بالتفاصيل الصغيرة: رائحة خبز جدتي، صوت المفتاح في باب قديم، ظل شجرة زيتون لا أعرف إن كانت ما زالت هناك.

أنا لاجئة، نعم. لكنني أيضًا ابنة حكاية لا تنتهي. وكل مرة أكتب فيها، أستعيد شيئًا مما حاولوا سلبه: صوتي.

قد لا أستطيع تغيير الماضي، لكنني أستطيع أن أقول إنه حدث. وأنه ما زال يحدث فينا بصمت، وأننا ما زلنا هنا، نحكي، ونحلم، ونحمل بلادنا في اللغة حين تعجز الأرض عن حملنا.

 

من مخرجات تدريبات : التدوين من أجل التغيير

ما مدى فائدة هذا المقال؟

اضغط على النجمة للتقييم!

معدل التقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا يوجد تقييم حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المقال.

أحدث المقالات