صمت صاخب
نذير محمد باكير
17 سنة
فبراير 22, 2025
1
(1)
صمت صاخب

في إحدى الليالي الباردة، كنت أحاول الانسجام مع أبناء جنسي، فوجدت نفسي أمشي في طرقات مزدحمة، أبحث بين الوجوه عن روح تشبهني. لم أكن أبحث عن المظهر، بل عن شيء أعمق: روح صامتة شبه ميتة، كتلك التي أحملها داخلي.
كان الجو صاخبًا. إيقاع الأقدام يثقل أذني، وصراخ الباعة المتجولين يثير غيظي. شعرت وكأن السلام هو الشيء الوحيد الغائب هنا. كل الوجوه حولي كانت مألوفة بشكل غريب؛ أرواح ممتلئة بالحياة ومتمسكة بها وكأنها أعظم ما تملك. أما أنا، شعرت بأنني الغريب الوحيد، كأنني ميت في عالم مليء بالأحياء… أو ربما كنت الوحيد الحي في عالم من الموتى الأحياء.
فقدت الأمل وعدت أدراجي. في طريقي، استوقفني مشهد غريب: مجموعة من الناس ملتفون حول مهرج. لم يكن العرض ما شدني، بل كانت عيناه. كانتا خاليتين من أي حياة، أشبه بعيني دمية مكسورة، وفمه متصلب كأن الابتسامة خانته منذ زمن بعيد.
شعرت برعب داخلي. لم أجد شبيهي كما توقعت، بل رأيت صورة لما قد أكون عليه بعد سنوات إن لم أسيطر على نفسي. كنت أشبه بشمعة على وشك الانطفاء، لكن ذلك المهرج كان قد انطفأ بالفعل.
عدت إلى المنزل، منهكًا من كل شيء. حاولت إعداد كوب من الشاي، لكن صوت غليان الماء بدأ كضوضاء لا أحتملها. أطفأت الموقد وتوجهت إلى غرفتي. أطفأت الأنوار واستلقيت على سريري.
وفي الظلام، عادت روحي للحياة، لكن ليس كما كنت أريد. أصوات رأسي بدأت بالظهور، كأنني في قاعة محكمة أمام هيئة محلفين تحاصرني بتهم الإهمال والأنانية. كنت كطفل يختبئ تحت سريره هربًا من شجار عائلي، لكن هذه الأصوات كانت ترفض الرحيل.
استمر الصراع حتى شعرت بأفكاري تتحول إلى وحوش تلتهمني ببطء. نهضت مسرعًا نحو مفتاح الإنارة، لكن حين مددت يدي لتشغيله، وجدت نفسي مستلقيًا مجددًا على سريري. حاولت مرارًا، وفي كل مرة كانت النتيجة نفسها: ضوضاء أشد، ورأسي يتحول إلى سندان تُطرق عليه أسوأ ذكرياتي.
حين أدركت أن الهروب مستحيل، بدأت أستمع لتلك الأصوات. حاولت ترتيبها وفهمها، كمن يحاول تجميع خريطة ممزقة. ومع بزوغ الفجر، كنت لا أزال سجينًا داخل نفسي، متمسكًا بوعيي كالغريق المتمسك بخشبة نجاة.
و فجأة، اهتزت الغرفة، وظهر صوت رنين غريب. لحظتها فقط أدركت أين أنا، لكن الوقت كان قد فات.
استيقظت غارقًا في عرقي، لكن السلام كان هنا أخيرًا. كان الهدوء يحيطني وكأنه يعتذر لي عن كل ما حدث.

ما مدى فائدة هذا المقال؟

اضغط على النجمة للتقييم!

معدل التقييم 1 / 5. عدد الأصوات: 1

لا يوجد تقييم حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المقال.

أحدث المقالات