أربعون عامًا…
سمر أمجد الجرادات
21 سنة
مارس 1, 2026
0
(0)
أربعون عامًا…

لقد استغرقني الأمر أربعين عامًا حتى أستطيع أن أنظر إلى نفسي في المرآة بسلام بعد حادثة ذلك اليوم. كلما أرى انعكاسي، يتردد صدى تلك الحادثة في أذني، وتلمع عيناي مصفرتين ومحمّرتين من انعكاس ذلك اللهيب فيهما.

كنت حينها في السادسة من عمري، حينما تخطى الزمن بي حاجز الستين، وعلقت أنا في جسد الست سنوات. آخر ما أتذكره هو الطاولة الصغيرة التي توزعت عليها أطباق الإفطار في التاسعة صباحًا، حيث التففت حولها مع عائلتي…

كنت جالسًا حينها طفلًا في السادسة، أكبر أمنياته أن يسمح له والداه بالغياب عن مدرسته حتى يتمكن من مشاهدة كرتونه المفضل الذي لا يُعرض إلا في الصباح، حتى انقطع الزمن حينها فجأة…

استيقظت وحولي ركام من الصخور والجثث… كانت صخور منزلي وجثث عائلتي مغطاة بدماء أكثر من ذلك الذي يغطيني من جروحي. ذلك النفس الذي ملأت به رئتاي في صدمة، وعيناي تتسعان بشدة لهول المنظر، خرج مني نفسٌ لطفل ستيني يعتري رأسه شيبٌ كثير…

حاولت إقناع نفسي بأنه رماد وتراب من الانفجار، وسيزول بمجرد نفضه… لكنه أبى أن يكون.

منذ تلك اللحظة وأنا أتجنب أي انعكاس يذكرني بكوني صرت على هذا الحال، لكن ولأول مرة بعد أربعين عامًا، وقد صرت في عمرٍ يشيب فيه البشر، صرت أسترق النظرات إلى نفسي في المرآة بتماسك أكثر من الماضي.

رغم أن تلك الأصوات تستمر في الدوي كل ثانية أرى فيها نفسي، ويتكرر ذلك النفس الذي يملأ رئتاي رعبًا وصدمة، إلا أن عقلي بدأ يضللني بأن ذلك الشيب بفعل العمر… وأنني كبير حقًا، رغم قناعتي بأني ما زلت سجينًا في جسد ذلك الطفل الستيني.

ما مدى فائدة هذا المقال؟

اضغط على النجمة للتقييم!

معدل التقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا يوجد تقييم حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المقال.

أحدث المقالات