البارحة استيقظتُ مفزوعًا على أصواتٍ في المنزل، ضجيجٌ يوحي بأن حدثًا جللًا قد وقع. في العادة، لا يجتمع أهل البيت حول شيءٍ إلا إذا كانت هناك “مشكلة محورية” تستحق الاستنفار. نهضتُ متثاقلًا، أتحسس الطريق بين النوم واليقظة، لأكتشف أن الأزمة الوطنية الكبرى كانت… تعطل راوتر الإنترنت.
الجميع متحلقون حول قطعة بلاستيكية صغيرة، وكأنها مريض في غرفة العناية الحثيثة. وجوه متجهمة، همسات، وتحقيقات أولية لمعرفة الفاعل. وبعد بحثٍ وتمحيص، تبيّن أن أحد الأطفال عبث بالجهاز وأطفأه. قضية بسيطة: طفل ضغط زرًا وانتهى الأمر. لكن الغريب أن أصابع الاتهام لم تستقر طويلًا عند الطفل، بل تحولت سريعًا نحوي:
“الحق مش عليه… الحق على اللي خلّاه يلعب بالراوتر!”
أخبرتهم أنني كنت نائمًا، وأن ما حدث جرى بينما كنت في الداخل وهم في الخارج. لكن عذري بدا ساذجًا في ميزان المحكمة المنزلية. فالنوم — في عرفهم — لا يعفي من المسؤولية، بل ربما يزيدها.
تساءلتُ حينها: هل يُعقل أن يكون الجميع أبرياء، وأنا — النائم — المتهم الوحيد؟
المشهد أعاد إلى ذهني صورةً سينمائية من فيلم الرسالة للمخرج مصطفى العقاد، حين اتُّهم أحد أبناء وجهاء قريش بأنه تعمّد إسقاط صنم “اللات”، لمجرد أن الصنم سقط أثناء مروره بقربه.
لم يبحثوا عن سبب السقوط، لم يناقشوا هشاشة الصنم، بل احتاجوا فقط إلى متهم. الاتهام كان أسرع من التفكير، والحكم صدر قبل التحقق.
في لحظةٍ ما، شعرت أن الراوتر صار صنمًا صغيرًا في وسط البيت، وأن سقوطه — أو انطفاءه — لا بد أن يُعلَّق في رقبة أحدهم. لا لأن الحقيقة واضحة، بل لأن الناس تميل دائمًا إلى اختصار الطريق: بدل أن نسأل “ماذا حدث؟” نسأل “من نُحمّل المسؤولية؟”
هو كُفِّر لأنه مرّ قرب الصنم،
وأنا كدتُ أُدان لأنني كنت نائمًا قرب الراوتر.
ليست المشكلة في جهازٍ تعطّل، ولا في طفلٍ عبث بزر. المشكلة في تلك الغريزة القديمة التي تستيقظ فينا كلما وقع خلل: البحث عن كبش فداء. إنها لحظة عودة خاطفة إلى “الجاهلية” — لا بمعناها التاريخي، بل بمعناها السلوكي؛ حين يُستبدل المنطق بالانفعال، والتحقيق بالاتهام، والحقيقة بالافتراض.
ربما كانت القصة بسيطة ومضحكة، لكنها كشفت شيئًا أعمق: أحيانًا لا يحتاج المجتمع إلى صنمٍ من حجر، يكفيه راوترٌ صغير ليختبر عدالته.










