في قلب الحرمان، لم تكن قرية “رجم المشرف” لتعطي، بل لتختبر صبر الساكنين فيها. هناك، في عمق هذه القرية، وُلدتُ في عائلة كان رصيدها الوحيد هو الحب والكرامة. قريتنا التي سقطت من حسابات الخرائط والخدمات، كانت بالنسبة لي هي العالم كله. والجامعة كانت حلماً يبدو أبعد من النجوم التي نراها في سماء ليلنا الصافي.
وحين بلغتُ الثالثة عشرة، لم يكن السؤال: ماذا ستدرس؟ بل كان: كيف ستصل؟ مدرسة القرية انتهت، والتعليم ينتظرني على بعد سبعة كيلومترات، بين برد الشتاء وحرارة الصيف، سبعة كيلومترات ذهاباً وإياباً.
أتذكر يدي الصغيرة وهي تلوّح للسيارات العابرة؛ لم أكن أطلب توصيلة، بل كنت أطلب من الحياة فرصة. وحين كان والدي يطأطئ رأسه عجزاً عن شراء دراجة نارية، كنت أبتسم له وأشد رباط حذائي المتهالك. تلك الكيلومترات لم تكن مسافة، بل كانت صراعاً؛ فكل خطوة مشيتها كانت صفعة في وجه الفقر، وكل قطرة عرق كانت حبراً أكتب به إصراري على أن أكون شيئاً مذكوراً.
وحين جاءت عاصفة الربيع العربي، ولوّحت الثورة في شوارع سوريا عام 2011، صمتت أجراس المدارس، وعلت أصوات الرصاص وصيحات الأطفال والنساء. قرر أبي اللجوء إلى الأردن، والدموع تسبق الأقدام. ومن بيوت الحجر إلى العيش في خيمة في الأردن، أصبح همّنا الوحيد تأمين لقمة العيش، أنا وأهلي، تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء. ثلاث سنوات من الغياب القسري عن التعلّم، ظننتُ فيها أن ياسر، الطالب صاحب الأحلام الكبيرة، قد مات، ليحلّ محله ياسر الهامش، لكن الجمر لا يموت تحت الرماد.
لكن اللجوء ليس نهاية القصة، بل هو بداية لحياة ثانية، وأحلام بدأت تنبت من جديد. قررت العودة إلى مقاعد الدراسة، ولم يكن الطريق مفروشاً بالورد، لكنني كنت أتذكر المسافة التي كنت أمشيها (أربعة عشر كيلومتراً ذهاباً وإياباً) في طفولتي، ولن تكسرني بضع سنوات من الانقطاع عن العلم. ما زال عقلي ويدي يعشقان العلم والكتابة. اليوم أحمل درجة دبلوم إدارة الأعمال، ليس كمجرد شهادة، بل كراية نصر رفعتها فوق تلال خيباتي السابقة.
أنا ياسر، اللاجئ الذي عبر الحدود بقلب مكسور، وعاد ليجبره بالعلم. شكراً للأردن الذي منحني وطناً حين ضاقت بي الأرض، وشكراً للشعب الأردني المضياف. قصتي هي برهان للعالم؛ قد تُسلب منا البيوت، وقد تُغلق في وجوهنا الحدود، لكن لا أحد يملك القدرة على سرقة حلم قرر صاحبه أن يحييه. وقصتي أيضاً هي صوت آلاف اللاجئين الذين لم يكتفوا بالنجاة، بل قرروا النجاح. سأظل أكتب، وسأظل أحلم، لأن الحياة لا تمنح ثمارها إلا لمن يجرؤ على التحدي، ويغرس بذور الطموح في أقسى الأراضي.
من مخرجات تدريب : التدوين من أجل التغيير









