في كل مرة نسمع فيها عن جريمة قتل جديدة، نطرح السؤال نفسه: كيف وصل الأمر إلى هنا؟
لكن ربما علينا أن نطرح سؤالًا أصعب: هل كان يمكن منع الجريمة قبل وقوعها؟
ليس كل قاتل يبدأ حياته قاتلًا، وليس كل جريمة قتل تبدأ بنية مسبقة. أحيانًا تبدأ بكلمة، أو خلاف، أو مشكلة عائلية، أو نزاع مالي، ثم يتدخل الغضب والتهور، وفي لحظة واحدة تتحول المشكلة إلى جريمة لا يمكن التراجع عنها.
من هنا، فإن أول سلاح في مواجهة جرائم القتل ليس السلاح، بل الوعي.
نحن بحاجة إلى ثقافة اجتماعية واضحة تقول إن الخلاف لا يُحل بالتهديد، وإن الإهانة لا تُرَدّ بالعنف، وإن المشكلات لا تُعالَج بالانتقام. وإذا تعذّر التفاهم، فهناك القانون والقضاء والمؤسسات والطرق المشروعة لحل النزاع.
بل يجب أن تصبح القاعدة البسيطة واضحة للجميع:
«إذا لم تستطع حل المشكلة بالتفاهم، فالْجأ إلى القانون قبل أن تلجأ إلى أي شيء آخر».
كما أن الأسرة والمدرسة والجامعة والمجتمع تقع عليهم مسؤولية تعليم الشباب كيفية إدارة الغضب وحل النزاعات، والتدخل مبكرًا عندما تظهر مؤشرات العنف أو التهديد، بدلًا من انتظار وقوع الجريمة ثم البحث عن المسؤول.
لكن الوقاية وحدها لا تكفي.
فالدولة التي تحمي الحق في الحياة مطالبة أيضًا بأن تجعل الاعتداء عليه من أخطر الأفعال التي تُواجَه بعقوبة رادعة. ولذلك، فإن تطبيق عقوبة الإعدام في الحالات التي يقررها القانون، وبعد محاكمة عادلة واستنفاد جميع الضمانات وطرق الطعن، يجب أن يبقى مطروحًا بجدية ضمن النقاش حول السياسة الجنائية، ولا سيما في أشد صور جرائم القتل خطورةً التي حدّدها المشرّع.
فالإعدام، بالنسبة إلى مؤيديه، ليس انتقامًا من الجاني، وإنما عقوبة قانونية قصوى مرتبطة بأشد الجرائم خطورة، ووسيلة للتأكيد على أن الحق في الحياة ليس حقًا يمكن العبث به.
وفي المقابل، فإن قوة القانون لا تُقاس فقط بشدة العقوبة، وإنما أيضًا بيقين تطبيقها، وعدالة إجراءاتها، وسرعة الوصول إلى الحقيقة.
لذلك، فإن مواجهة جرائم القتل في الأردن تحتاج إلى معادلة متوازنة:
وعي يمنع الجريمة قبل وقوعها، وقانون يتدخل عند ظهور الخطر، وقضاء عادل يحاسب من ارتكب الجريمة، وعقوبة رادعة تتناسب مع جسامة الفعل.
فلا يكفي أن نسأل بعد كل جريمة: أين كان القانون؟
بل يجب أن نسأل قبلها:
أين كان الوعي؟ أين كان التدخل؟ ولماذا لم يلجأ أحد إلى القانون قبل أن يصبح الخلاف جريمة؟
وفي النهاية، المجتمع الآمن ليس هو المجتمع الذي يكثر فيه الحديث عن العقوبات، بل المجتمع الذي يتعلم أفراده أن القانون هو الطريق الأول لحل الخلاف، وليس آخر طريق نلجأ إليه بعد وقوع الكارثة.








