قُلتُها منذ زمن، يافا العتيقة سيدة العصر والمدن، لا سيما كونها عروس البحر. الكنسية فيها رمزٌ إسلامي، والمسجد يرغبهُ المسيحيّ. وإنّ بيافا معالمٌ وآياتٌ تدلّ على أن الأرض من مهدها مدينةُ سلام، مثلُكِ أنتِ سيدتي..!
وأنتِ اليوم يا ابنةَ العم، تفتّحت أزهارُكِ، وفاح عبيرُ مبسمكِ، وشذى وجودكِ أصعب من النسيان. أنتِ اليوم، والأمس، وغدًا، ثابتةٌ، عريقةُ البُنيان، يافا بعهدة بني كنعان. وكما قال الشاعر قيصر كبها:
إنْ كان لي في الدنيا رفيقة
فأنا لا أهوى سوى يافا العتيقة
إنّ في الدنيا أمانيَ قابلة جدًا للوصول، وهناك صداقاتٌ كالبنيان المرصوص، والهوى غالبٌ على العموم، وأشياءٌ كثيرة تجعلنا استثناءً مميزًا ومخصوصًا. يافا العتيقة وأنتِ وجهان لغايةٍ واحدة، ألا وهي الاستكانة. أما بعد، وأما قبل، وأما الآن، فحقيقةٌ لا كلامَ ينصفكِ ولا اقتباس! وإنكِ ملتقى الروح، وزاوية الطمأنينة والائتمان. تمتلكين خفّة الروح، وإن هبّت نسائمكِ لاحت بريحانٍ وبخور. رياحكِ شرقيةٌ، من القدس إلى مسقط الراحة، سبحان من زيّن عبده بكمّ النور!
أتدري إلامَ يدلّ صوت الكروان؟ صوتٌ عذبٌ شجيّ، وبحسب الترجيحات وقت إنشاده يُستجاب الدعاء، فالربط بينكِ وبينه لسببٍ مكنون؛ في المنفى اشتياق، وفي الوطن نضال. وما بيني وبين يافا والكروان، يُذكّرني بعتاقة الماضي وأصالة الحاضر. في إنشاده تهيمُ الجوارحُ طلبًا، ألا لنا بيافا لُقيا شوقًا؟!
يافا الوطن المسلوب، بقعة المحبوب، دعوات التوبة والخنوع، وحياة الحُب هناك! وأنتِ وطنٌ يُعاد صياغته ليافا، صوتكِ إنشادٌ كروانيّ، ووجودكِ هاهنا نقطة الجزم! بأن يافا بالبيارق والقلاع يومًا ستعود، وأنّ بابكِ محرابٌ دنيويّ، من ملكَه ضمن لوطنه الرجوع..
كالسيف والقلم، كالشدّ والجزم.. ما يحصل الآن، وأنتِ الواو في كلا الحالتين، فأنتِ السلام، وما خلفكِ وأمامكِ ماءٌ ونيران. لا الماءُ يقتل النيران، ولا النيرانُ بالماء تذوب. هنا يكمن اسمكِ بين السطور سلامًا، ليوصل رغد الحياة وسوء العذاب ببعض، كي تُخرِج لوحةً مرسومة بخطّها ودنيا غير دُنياها، للنور الساطع والشمس التي لا تغيب. فالوجودُ فقدَ الشغف، والغيابُ أصبح بلا هدف، والمرح في الدنيا أيامٌ وليالٍ يقلّ. ويافا لا زالت عتيقةً ريحانيةً، وما زلتِ أنتِ! أسطورةٌ تُكتَب، وأنثى الشغف، فأنتِ منتهى الآمال، والغايةُ، والمُنى.











