أَنـَآ مُـشْتَق
رويدا عبد الغني ادم هبور
18 سنة
الصومال
مايو 20, 2026
0
(0)
أَنـَآ مُـشْتَق

في نهاية نوفمبر من كل عام ، تستقبل مدينة عمان في الأردن الشتاء الوديع ، مُحاطةً بنسائم الهواء العليلة تحمل معها أوراق الاشجار الذابلة المتناثرة على الارصف المبتلة كأنها تودع الخريف، وتفوح من شوارعها رائحة القهوة دافئه بينما تتلألأ الأضواء على النوافذ كإبتساماتٍ هادئة تعلن قدوم الفصل الجديد.

تعلن المدينة حالة من الفوضى العارمة، فمع حلول هذا الفصل يبدٱ العام الدراسي الجديد ، وتبدأ الإستعدادت للعودة إلى المدراس بكل منزلٍ ، اسمع صوت دقات قلبٍ لا يستطيع تهدئة نفسه من شدة حماسهُ ؛ أهي طفلةً صغيرةً تكاد تُحلق من شدة سعادتها انها ستذهب إلى المدرسة؟ وترتدي زيها المدرسي لتمسك  ايدي والدتها بإحكام شديد وتحدق بعيونها الواسعة لامعة نحو المبنى العظيم الذي يَـحمل في داخله  نور المعرفة وبريق الحياة.

هنا تبدأ قصة شغف خُمـِدَ  بين السطور، مُدانٍ بكلمة لاحقتها أينما حلت و وقعت بين ثنايا واقعها ، هنا وُلدت الحكاية ، فتاة تتألق بنورها ، مُستعدةً لاتستقبال وتلقي كل ماهو جميل داخل اسوار المدرسة،  ولكن يطفئها الكلمة الوحيدة التي تتردد بين مسامعها ” لاجئه”.

سلبتها تلك  الكلمة  ابسط واقل حق جوهري  يحقُ لطفلة ان تمتلكه ، و سرقت منها الروح المرحة التي تستحق لعب مع اصدقائها بحرية، ولكن ماكان في الإمْكان ان تتحرر من هذه الكلمة، التي شيدت حولها جُدرانًـا  من حديدٍ صلب بقيود تمنعها من ممارسة حياتها لأنها محاطة بها أينما اتجهت والتفت.

كان ابسط حلم لها  لكم ان تتخيلوا ، ان تشاركها زميلتُها  الكتاب  لكي تتمكن من النظر وتفهم عن ماذا تشرح المعلمة نظراً  لنَقص الكتب المقدمة للاجئين او تأخير توزيعها ، وكما هو الحال دائما، ترفض زميلتها مشاركتها الكتاب حتى وجدت نفسها تحاول خلسةً إلقاء نظرات خاطفة على صفحاتِه دون أن يلاحظها احد.

فقد وصلنا إلى زمنٍ أفكار الأطفال باتت مشوه بفعل معتقدات عنصرية دخيلة ، كي تستطيعي الاقتراب مني ومشاركتي الكتاب يجب أن تكون تستوفي شروط معينه مثل ان تكوني بيضاء أو تكوني بنت بلادي لكي اسمح لك بمشاركتي  ، لا ان تكوني لاجئه مهمشة غريبة عني  وعن بلادي.

حُرمت  هذه الطفلة الجميلة قسطها من العلم والتميز والتفوق بسبب اسباب تافه تحكمها فقط لمجرد كونها  لاجئه تم إنقاص منها حتى بإلفاظ لاتخرج من افواه الأطفال البريئة ومع ذلك لايقع الخطأ على الأطفال فهُـم مُتلقين وليسوا مُلْقين ، يقع العبء على عاتق  العائلة التي تورث افكارًا و معتقدات مشوه لإبنائها ،غارسةً فيهم الخُلق السيئ بينما تُلقى ثمار هذا الخُلق على اللاجئين لانهم الطبقة الدُنيا بالمجتمع بنظرهم.

لطالما تمنت  دائما هذه الطفلة نظاماً عادلاً ليس بالضرورة أن يكون استثنائياً فقط أن يكون منصف لمن اشتق من بلاده وأصبح لاچـئ ، يجب عليهم تصحيح هذه المعتقدات وتعليم هؤلاء الأطفال وتوعيتهم اننا مُختلفون ،لا أدنى شأنًا ،نحن بشر في نهاية المطاف  ، عاملني كإنسان قبل أن تنظر لي بمنظور اللاجئ .

ليس لأنني خرجت من بلادي قسرا والتجئت إليكم لايمنحكم الحق لتحصرني في قوقعة لاجئ، وتحرمني من حقوقي وتقلل من امكانياتي وتنظر لي بنظره ازدراء ، انا  لا تُكبِّلني قيود الألقاب التي أطلقها عليَ المجتمع وتصنيفات المجتمعية التافه لاتُرْضخني هذه الاغلال وتقتل حماس تلك الطفلة التي كبرت  لتصبح فتاة متفوقة حازت على مرتبة شرف بمعدل 95٪ وتصدرت إلى  المركز الأول  في ذات المدرسة  التي قللت منها ذات يوم، وفي النهاية كنت انا من رفعت مكانتها بمعدلي المشرف لي ولعائلتي واكاد اُجزم  انها ليست النهاية بل هي مجرد البداية لكل ماهو جميل بحياة هذه الطفلة الشغوفه .

فتاة لم تَخْمد الكلمات  شغفها  ؛ بل كانت تلك الكلمات ترياقها في الحياة ودافعها للمضي قدمًا والمثابرة في تحقيق إنجازاتها  ،لا يمكن أن تُعتم اشراقها كلمة لاجئ،  فهي ليست حديّ بل حدتي وسيفي  وقوتي لاواصل بها مسيرتي .

صنعت من كل ركن من أركان  هذه المدرسة إنجازًا يشهده العالم ولكي يعلم الجميع نحن نبدع ونتميز في كل بقاع الأرض واشراقنا ممدت لاينتهي.

كنت تلك الطفلة الصغيرة رويدا ، ومن هذا المنبر اقول كونوا اقل قسوة ، اتمنى فقط معاملتي كإنسان فأنا منشقة من وطني و ارضي العزيزة،  يا تراب وطني لم يكن فراقكِ خياري ابدًا .

 

 

من مخرجات تدريبات : التدوين من أجل التغيير

ما مدى فائدة هذا المقال؟

اضغط على النجمة للتقييم!

معدل التقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا يوجد تقييم حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المقال.

أحدث المقالات