لعمري إن بلادي كالنسرِ يحلّق فوق رُفات الأعداءِ، بلادي خالدةٌ شامخةٌ ذاتُ تاريخٍ شهدت بعظمته سِيرُ الأجداد، ومخلَّدةٌ ببطولات صُنعت بسواعد الأمجاد. بلادي ثروةٌ وثورة، سجلها التاريخ حافلٌ بتضحياتٍ أرخت بدماء الشهداءِ. بلادي صوتُ حقٍّ وكلمةٌ كُتبت ثم قُيِّدت لطفلٍ رأى لبلادي ما رأى من الأبعاد. بلادي كلماتٌ نغمية ألقاها الساروت، وسرنا معه إلى حنين الذكريات والحرية، فوقعت حبًّا ببلادي، متناسيةً غربتي داخل بلادي. ومن هنا كان لابد من الاهتمام بهذه القضية انطلاقًا من قول الشاعر:
(وأحببت آفاق السماء لأجلكم، وأحسنت ظني بالليالي والدهر، وما زلت ألقى الغربة في كل منزلٍ ولو أنني بين الأقارب والأهل).
قضيتنا كطفلٍ فقد اهتمام والديه فأصبح تائهًا، فالذي جعل الحنين قيدًا والعودة تحريرًا أقسم أنني عدت، وفي حقائبي وطن، فوجدت خلف الأبواب وطنًا آخر، وها أنا جئت لأسترد مكاني، لأكتشف بأن المكان صار ضيقًا على ذكرياتي. جئت بذكرياتٍ محمّلة داخل حقيبة، واليوم أتيت لأصنع ذكريات داخل ذاكرة عنيدة. بعد البعد صار قصرًا، جئتكِ تاركةً خلفي كل شيء لأعود إليكِ طوعًا، فهنا أنا، هنا عروبتي، هنا ذاتي؛ أجدها وتجدني.
إلى الطفولة التي بقيت عالقة خلف القضبان، وإلى ذلك النضج الذي أُعدّ من قسوة الزمان، إلى الأزقة الدمشقية، إلى العروبة الدرعاوية، إلى الخطوط الذهبية التي تتسلل لتسقط على البقاع السورية، إلى بديع صنع السواحل اللاذقية القابعة داخل ذاكرة لم تسعفني على إحيائها. أتيتكِ شوقًا كي أحيي معكِ عمرًا، عندما سرقتكِ مني الغربة دهرًا… أحيي عمرًا.
لا لأكتفي بمجرد قصة إنسان مرّ وكان رقمًا، بل روح كانت هنا وتركَت أثرًا.
من مخرجات تدريب مشروع : التدوين من أجل التغيير








