في صباحٍ بارد من شتاء عمّان، كانت ليان تستيقظ قبل شروق الشمس بساعة.
تُحضّر الشاي بصمت كي لا توقظ أخويها الصغيرين، ثم ترتدي معطفًا قديمًا ورثته عن أمّها، وتحمل حقيبتها الباهتة التي تخفي فيها دفترًا صغيرًا تكتب فيه أحلامها المؤجلة.
كانت تعمل في مشغل خياطة داخل قبو ضيّق.
ثماني ساعات تتحول إلى اثنتي عشرة، وصوت الماكينات لا يتوقف أبدًا.
أصابعها امتلأت بوخز الإبر، وظهرها يؤلمها من الجلوس الطويل، لكن أكثر ما كان يرهقها هو ذلك الشعور بأنها غريبة في كل مكان.
في كل مساء، تعود بالحافلة المزدحمة، تحمل كيس خبز وبعض الخضار، وتحاول أن تبدو قوية أمام عائلتها.
كانت أمّها تسألها دائمًا:
تعبانة يا ليان؟
فتبتسم وتقول:
“لا يا أمي، الشغل رحيم مقارنة بالحرب.”
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
فالحرب انتهت بالنسبة للناس في الأخبار، لكنها داخل ليان لم تنتهِ أبدًا.
كل صوت مرتفع يعيدها إلى ليلة الهروب من حلب، وكل مدير يصرخ في وجهها يجعلها تشعر بأنها بلا قيمة.
وفي أحد الأيام، تأخرت عشر دقائق بسبب المطر، فخصم صاحب العمل نصف أجرها اليومي.
وقفت صامتة، تنظر إلى الأرض، ثم عادت إلى الماكينة وكأن شيئًا لم يحدث.
كانت تعرف أن الاعتراض قد يعني خسارة العمل كله.
في الليل، فتحت دفترها الصغير وكتبت:
“لسنا ضعفاء لأننا تعبنا،
نحن فقط نحاول أن نعيش أكثر من مرة.”
ثم أغلقت الدفتر، وأطفأت الضوء، واستعدّت ليومٍ جديد يشبه الأمس تمامًا… لكنه ما زال يحمل احتمالًا صغيرًا للأمل.
من مخرجات تدريبات : التدوين من أجل التغيير








