حبر على جدار الهدم
بدون اسم
19 سنة
العراق
أبريل 13, 2026
0
(0)
حبر على جدار الهدم

في بغداد القديمة، في حيٍّ ضيّقٍ تتداخل فيه البيوت كأنها تتكئ على بعضها لتبقى واقفة، كان يعيش “حسن” مع أمه وأخته الصغيرة.

لم يكن حسن يملك الكثير ليحكيه عن طفولته. كان يذهب إلى المدرسة حافي القلب قبل حافي القدمين؛ لأن الحذاء الذي ورثه عن أخيه الأكبر لم يعد يصلح إلا للذكرى. ومع ذلك، كان يحب القراءة، ويخبّئ دفاتره تحت وسادته كأنها كنز ممنوع.

في أحد الأيام، تغيّر كل شيء. جاء رجل ببدلة رسمية إلى الحي، ومعه أوراق وأوامر لا يفهمها أحد. بدأوا يطرقون الأبواب واحداً تلو الآخر. بيت حسن كان من بينها. قالوا إن البيت “تجاوز حدوده”، وإن الأرض “لم تعد لهم”.

لم يفهم حسن معنى الكلمات الكبيرة، لكنه فهم شيئاً واحداً: أن الجدران التي تربى بينها ستُهدم.

وقفت أمه أمام الباب تحاول أن تشرح، أن تستعطف، أن تقول إنهم لا يملكون مكاناً آخر. لكن الصوت كان يضيع وسط ضجيج القرارات. وفي لحظة، تحوّل البيت الذي كان مليئاً برائحة الخبز والضحك إلى غبار.

في تلك الليلة، ناموا عند طرف النهر. لم يكن النهر غريباً عليهم، لكنه هذه المرة بدا كأنه يراقبهم بصمت قاسٍ. كان حسن ينظر إلى الماء ويشعر أن شيئاً داخله يُسحب كما تُسحب الأشياء من البيوت.

قالت أمه وهي تمسك يده:
مو كل فقدان يُقال عنه نهاية… أحياناً يكون بداية غصباً عنّا”

كبر حسن بعد ذلك بسرعة لا تناسب عمره. صار يذهب إلى العمل بدل المدرسة، ويحمل في قلبه سؤالاً واحداً لا يجد له جواباً: لماذا يُكسر الفقراء مرتين… مرة بالواقع، ومرة بالصمت؟

لكن رغم كل شيء، كان يكتب. على جدران المدن البعيدة، وعلى دفاتر مستعملة، وعلى ذاكرته. يكتب عن البيوت التي تُهدم، وعن الأطفال الذين يكبرون قبل أوانهم، وعن القهر الذي لا يحتاج صوتاً ليُفهم.

وكان يؤمن، رغم كل ما فقد، أن الحكاية حين تُروى… لا تُهزم تماماً.

 

من مخرجات تدريبات : التدوين من أجل التغيير

ما مدى فائدة هذا المقال؟

اضغط على النجمة للتقييم!

معدل التقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا يوجد تقييم حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المقال.

أحدث المقالات