في بعض الثقافات المشوهة، تُولد الأنثى وتحمل في حقيبتها تهمة جاهزة، تهمة أنها “امرأة” في بيئة ترى في ضعفها عاراً، وفي صوتها عورة، وفي أحلامها خروجاً عن النص. هي لم تختر عائلتها، ولم تختر مكان ولادتها، لكنها وجدت نفسها تدفع ثمن خطيئة لم ترتكبها.. خطيئة أنها ولدت في مكان لا يعرف الرحمة.
عاشت لسنوات وهي تشعر بأنها عبء. كل حركة محسوبة عليها، وكل ابتسامة تفسر على أنها تمرد. في بيتها، لم يكن العنف مجرد رد فعل على خطأ، بل كان أسلوب حياة لفرض السيطرة. كان يُنظر إليها كقنبلة موقوتة يجب كتم أنفاسها وتحجيم وجودها حتى لا “تخطئ”.
لقد أقنعوها منذ الصغر بأنها السبب في عصبية والدها، وفي قسوة أخيها، وفي صمت والدتها العاجزة. زرعوا في قلبها شعوراً مسموماً بالذنب، حتى أصبحت تعتذر عن مساحتها في الغرفة، وعن الهواء الذي تتنفسه، وكأن وجودها في حد ذاته خطيئة تحتاج إلى غفران يومي
أقسى أنواع الظلم هو أن تُجبر على الاعتذار عن ألمك، وأن تُعامل كُمذنب لأنك لم تحتمل قسوة الجلاد.
كانوا يمارسون ضدها شتى أنواع الإقصاء والتهميش، ثم ينتظرون منها أن تكون الابنة المطيعة، الممتنة، والراضية بفتات العاطفة. كانوا يظنون أن إطعامها وكسوتها هو صك الغفران الذي يمنحهم الحق في كسر روحها وتشكيلها كما يشاؤون.
لكن الحقيقة التي غابت عنهم هي أن الروح لا تُشترى بالخبز، وأن الكرامة لا تُقايض بالبقاء تحت سقف واحد. الخطيئة الحقيقية لم تكن يوماً في وجودها، ولا في رغبتها بأن تكون حرة ومحترمة؛ الخطيئة كانت في أيديهم التي امتدت لتكسر غصناً كان من المفترض أن يثمر حباً وأماناً.
الشفاء بدأ عندما نظرت إلى المرآة يوماً وقررت ألا تصدق روايتهم. أدركت أن غفرانهم ليس هو ما تحتاجه، بل هي من تحتاج أن تغفر لنفسها قَبولها بالأذى طوال تلك السنوات.
تخلت عن رغبتها في إرضائهم، ونفضت عن كتفيها غبار الذنب المفتعل. مشت خطوتها الأولى نحو الحياة وهي تعلم أن براءتها لا تحتاج إلى صكوك من أحد، وأنها لم تكن يوماً خطيئة، بل كانت الجمال الوحيد في بيت أفسده الجفاء.
من مخرجات تدريبات : التدوين من أجل التغيير








